الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

401

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

بقي هنا شيء ، وهو أنّه لا فرق في إمكان التفصّي ، من إعداد المقدّمات من قبل ، أو ترك الحضور في مجلس المعصية ، أو مجلس الجائر ، فانّه واجب لوجوب التخلّص عن الحرام ، فيجب مقدّمته ، أو بقاء وإدامة كما في فعل علي بن يقطين ، وهو ظاهر أيضا ، فالواجب ترك الخلطة مع الظلمة إذا لا يأمن إكراههم على قبولها . الأمر الرّابع : إنّ قبول الولاية مع الضرر المالي غير المجحف بحاله هل هو رخصة ، أو عزيمة ؟ فيجوز تحمّل الضرر والفرار منه ( هكذا عنونه شيخنا الأعظم قدّس سرّه في مكاسبه ) . والوجه فيه أنّ الضرر اليسير تحمّله لازم على كلّ حال ، من باب وجوب المقدّمة ، كشراء ماء الوضوء وشبهه ، ومثله في التكاليف كثير ، والضرر المجحف يجوز تحمّله فرارا عن الولاية المحرّمة ذاتا أو بالعرض ، كما يجوز عدم تحمّله ، ويستقيم الاستدلال له بأنّ الناس مسلّطون على أموالهم ، فيجوز لهم صرفها في طريق النجاة عن الحرام . نعم ، قد يقال : أنّ بذل المال الكثير للجائر قد يوجب تقوية شوكته ، فيحرم من ناحية أخرى ، أو من جهة إعانته على الإثم ، وهو صحيح في محلّه . لكن قد أجاب عنه في مصباح الفقاهة ، أوّلا : بمنع الصغرى ، لأنّها من قبيل المكوس والضرائب في مسير الحاج الذي لا إشكال في جوازه ( ولعلّه لعدم قصد الإعانة ) وثانيا : بمنع الكبرى وهو حرمة الإعانة « 1 » . قلت : أمّا الكبرى فقد عرفت ثبوتها ، وفاقا لما يظهر من المشهور ، وأمّا الصغرى فعدم كونه في بعض الموارد إعانة وإن كان ثابتا ، إلّا أنّ قصد الإعانة في بعض الموارد قهري إذا كان شيئا كثيرا ( كما عرفت نظيره في مسألة بيع العنب ممّن يعمله خمرا ) فحينئذ يكون من قبيل تزاحم المقتضيين ، وحكمه ظاهر واللّه العالم .

--> ( 1 ) . مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 179 .